الثائر الصادق، والسياسي اللعوب (1 من 2): فيضان الشارع الذي لايُمكن إحتوائه!

بقلم: د. منتصر الدرديري.

(1)

“في عالم الأطفال الصغير، ما ثم أصفى ولا أوضح من إدراك الظلم و الشعور به”.

تشارلز ديكنز

حينما يشعر الثائر بالإرتياب ممن يُظهرون إنتمائهم لفكرته التي آمن بها، دون إلتزام بقيمها الكلية، و إهتراء الوشائج التي تربطهم بها شيئاً فشيئاً، لسبب أو لآخر، ليس بالإمكان التكهن عما سيفعل للإنتقام، إذ أن الشعور بالخيانة لكل ما آمن به سيتملكه.

في مقدمة كتابه “المؤمن الصادق”، ذكر “إيريك هوفر” أن الحركات الجماهيرية بتبايناتها و إختلافاتها، تتفق في أنها تُولد في نفوس أتباعها استعداداً للموت، و إنحيازاً للعمل الجماعي، و جميعها و بصرف النظر عن المذهب الذي تدعو إليه أو الذي تعنيه، تُولد الحماس و “التطرف” و الأمل المتقد و الكراهية و عدم التسامح، و جميعها تتطلب من أتباعها الإيمان الأعمى و الولاء المطلق، و بهما تستطيع أن تفجر طاقات قوية من الحراك في شتى مناحي الحياة.

إن الحركات الثورية الجماهيرية تشكل وسائل للتغيير الواسع و الشامل، و لكي تأسر الجماهير إليها فلابد أن تستمر في بث الحماس و أن تمتلك وجدان هذه الجماهير، و من ثم عليها إستثمار الشعور الثوري بتحديد أهدافه و توجيه موجاته، فعدم الرضا وحده لن يخلق رغبة في التغيير بالضرورة، و الشاهد على ذلك أن حالة عدم الرضا طوال فترة حكم البشير في السودان لم تنتج حراكاً شعبياً كافياً لهدم عرشه، و ذلك لغياب الحركة الجماهيرية التي تبعث “الأمل” في نفوس الجماهير و تفصلهم عن أنفسهم و لواحقها، و تمنحهم إحساساً بالقوة و أنهم “لا يقهرون”، و أن الآفاق ليست محدودة، فتكون الثورة تعبيراً لحواسهم عن ملكاتها و قدراتها. فخطاب الحركات الجماهيرية يتسم بمزيج من الشعبوية مع عمق أخلاقي و تأسيس إيمان مطلق بالمستقبل.

عندما إنطلق لينين و البلاشفة في ثورة 1919م، كان أملهم في قوة المذهب “الماركسي” في إيجاد واقع جديد، فلم يثنهم عن ذلك خلق الفوضى.

إن إثبات ضرورة “التغيير” ليس بأهمية إيقاد “الآمال” الجامحة بحياة أخرى و بعالم مغاير، و لكي تتقد جذوة هذه الآمال في الأفئدة لابد من توفر عوامل مشتركة تُمهد الطريق نحو “بارادايم” بالتغيير و “بالقدرة” عليه كذلك.

يشترك الجميع بمختلف طبقاتهم الاقتصادية في موقفهم من المستقبل، حيث أن الخوف من المستقبل يدفعهم نحو التمسك بالحاضر، بينما تعمل “الحركات” على بناء تصور حالم عن المستقبل كي تأسر جموع الجماهير إليها.

(2)

ما حدث في السودان هو أن “تجمع المهنيين” إستطاع بإمتياز إدارة حالة عدم الرضا، ليُنتج حراكاً شعبياً واسعاً كانت نتيجته سقوط نظام الإنقاذ.

وبعد نجاح “التجمع” في قيادة مواكب ديسمبر و الإلتفاف الشبابي حوله، عقد شراكة تأريخية مع “قوى الحرية التغيير” لتعمل كجناح سياسي يتبنى هذا الحراك، فاستطاعت الأحزاب عن طريق هذه الشراكة “تمويه” الجماهير و من ثم كسب تأييدهم، إذ أن التجمع “الجسم ذو القدسية لدى الجماهير” كان الضامن لهذه الأحزاب، فمن باب إيمان الجماهير به، و بمبدأ التعدي البسيط، آمنت الجماهير كذلك بقوى الحرية و التغيير بعد أطروحتها “إعلان الحرية و التغيير”.

في الحقيقة، قبول الجماهير للإعلان و تمسكهم به لم يكن بسبب تميزه السياسي، بل كان لأنه خرج “كطوق نجاة” للثوار.

(3)

بعد سقوط البشير و حالة الخدر الثوري نتيجة الإنتصار، بدأت سلسلة إخفاقات “قوى الحرية والتغيير” في التوصل لصيغة مشتركة، فحرصوا على تغذية الجموع بالأشواق الآملة في “المدنية”، للدرجة التي إرتفع فيها سقف أحلام الجماهير لمستوى يفوق قدرات “القوى”، و كذلك كثُر الحديث عن الإختلاف “الذي كان مصدر قوة و ميزة لدى القوى”، و من ثم أضحى نقطة الضعف الرئيسة التي طفت على السطح في أديس أبابا.

إن من سمات الديموقراطية: “القدرة على إغناء المشاركة العاقلة من خلال تعزيز توفير المعلومات و الإمكانية العملية للمناقشات التفاعلية”، و هذا ما لم يفلح فيه التجمع و القوى، فإصرارهم على التعتيم كان لعلمهم بأن ما يحدث في الغرف المغلقة لا يمتُ لوعودهم للجماهير بصلة.

(4)

يقول أدولف هتلر: “كلما زادت الوظائف و المناصب التي تقدمها الحركة، كلما إنخفض مستوى الأتباع الذين ينضمون إليها، و في النهاية سيكون السياسيون الإنتهازيون من الكثرة، بحيث لا يستطيع المجاهد القديم النزيه أن يتعرف على حركته القديمة، و عندما يحدث هذا، فإن رسالة الحركة تكون قد انتهت!”.

دائماً ما تكون الثقة بالنفس لوحدها محدودة بالمقارنة مع الثقة بالأمة أو الدين أو العرق أو القضية المقدسة، حيث يكون “الإيمان/الثقة” هنا مطلقاً لا يقبل المساومة، و بصرف النظر عن مسمى الكيان الذي شكل للشخص ذلك البديل “عن حياته” فهو حقيقةً قد إعتنق “رسالة”، و عندما تخلص الرسالة إلى نهاية، يجب إستبدالها فوراً، لأنها لن تحقق “الأمل” الباعث على الحياة مجدداً.

وهكذا، في لحظة توزيع المناصب و الإختلاف عليها، فإن رسالة إعلان الحرية و التغيير: “التغيير”، كحركة جماهيرية، إنتهت تماماً.

(5)

في الأيام الأخيرة كثر الحديث عن المحاولات الإنقلابية “بعض المصادر تحدثت عن خمسة محاولات”، و أيضاً كثُر اللغط حول مدمني الصفقات السياسية من مكونات الحرية و التغيير، إلا أن بصيرة الشعب السوداني ظلت حارسة لثورتها تربؤ بها عن كل إحتمالات الإلتفاف حولها أو أن تصير دولة بين التجار.

الشعب السوداني، وعلى الرغم مما أحاط به من وبال الإنقاذ، إلا أنه إستمر كالعود، الذي لا يزيده الحرق الا طيباً و نشراً للحياة، و أبى الشباب المُغرر بهم إلا و أن يُسطروا معاني السلام و الحب، و أن يُخرجوا و على مر الشهور، كل قيم التآلف و التماسك و التفاني، في أعظم حراك عرفته الإنسانية، حراكٌ سيدَرّسُ في كُتب التاريخ جميعها.

ثقتي دوماً في عظمة هذا الشعب، و أنه سيتجاوز العثرات بأمره و عزيمته و سيفرض كل اختيارته، و سينتصر على الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.