وردي.. أناشيد برائحة الوطن

كثيرون غنّوا للوطن حتى قبل الاستقلال ثم صارت الأغنيات الوطنية بعد ذلك تتوالى، بعضها ما زال عالقاً في ذاكرة الشعب حتى الآن مثل أناشيد حسن خليفة العطبراوي وسيد خليفة في نشيد الخرطوم ومحمد الأمين في الملحمة الشهيرة وغيرها، بيد أنّ فنان أفريقيا الأول يعتبر من أكثر المطربين الذي أثروا المكتبة السودانية بأغنيات خالدة استبطنت الحماس بعيداً عن الهتافية في اللفظ والأداء، وطفحت بالعذوبة والجمال، وحفرت نُقُوشاً في وجدان شعبنا لا يمحوها تقادُم الزمن .

نشيد الاستقلال

يُعتبر نشيد الاستقلال الذي تغنّى به الفنان الكبير محمد وردي، ولحّنه وصاغ كلماته الجميلة الطالب آنذاك بجامعة الخرطوم عبد الواحد عبد الله، يظل من أكثر الأغنيات الوطنية التي كُتب لها الخلود حتى الآن وسيطرت على البرامج الاحتفائية عن الاستقلال في الإذاعة السودانية منذ أن تغنّى بها في يناير 1961، وكذلك التلفزيون بعد ظهوره للعلن ثم باتت أيقونة ثابتة في القنوات الفضائية السودانية وإذاعات (FM)، كما شكّلت حُضُوراً لدى الطلاب بالجامعات في احتفالاتهم بهذه المُناسبة العطرة، بل حتى في المراحل الابتدائية وقد تم تضمينها لاحقاً من ضمن الأناشيد الوطنية في  مرحلة الأساس .

أكتوبريات

يتّفق الكثيرون بأن الفنان الكبير محمد وردي من أكثر الذين تغنّوا لثورة أكتوبر الشعبية بألحان تميّزت بالعذوبة في الأداء والمفردة المُعبِّرة، فقد تغنّى وردي بأغنية أصبح الصبح للشاعر محمد الفيتوري والتي كانت من أشهر الأغنيات الوطنية الخالدة التي ردّدتها الجماهير كأهزوجة مُعبِّرة على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية حتى الأطفال في المدارس، وقام الفنان محمد وردي بتلحين الأغنية قبل سقوط النظام العسكري للفريق إبراهيم عبود بأيّامٍ قليلةٍ وانطلقت عبر المذياع بمجرد سقوط النظام، فصارت نشيد الثورة وأيقونتها الرائعة وعلامتها الخالدة حتى اليوم، وجاء في كلماتها المُعبِّرة:

أصبح الصبح ‏

ولا السجن ولا السّجّان باقٍ‎

وإذا الفجر جناحان يرفان عليك‎

وإذا الحُزن‎ ‎الذي كحل هاتيك المآقي‏‎

والذي شد وثاقاً لوثاق‎

والذي بعثرنا في كل وادٍ‎

فرحة‎ ‎نابعة من كل قلب يا بلادي‎

*****

أصبح الصبح‎

وها نحن مع النور التقينا‏‎

التقى‎ ‎جيل البطولات‎

بجيل التضحيات‎

التقى كل شهيد‎

قَهَرَ الظلم ومَات‎

بشهيد لم‎ ‎يزل يبذر في الأرض‎

بذور الذكريات‎

أبداً ما هُنت يا سوداننا يوماً علينا‎

بالذي أصبح شمساً في يدينا‎

وغناءً عاطراً تعدو به الريح‏‎

فتختال الهويني‎

من كل قلب يا بلادي‎

ثم تَغنّى وردي بأغنية أكتوبر الأخضر والتي لاقت أيضاً قولاً كبيراً وهي من كلمات الشاعر المعروف محمد المكي إبراهيم، وتغنّى كذلك بأغنية نحن رفاق الشهداء للشاعر علي عبد القيوم، كما تغنّى لثورة أكتوبر بنشيد شعبك يا بلادي أقوى وأكبر مما كان العدو يتصوّر للشاعر الطاهر إبراهيم وهي من الأغاني الوطنية الرائعة وتقول بعض كلماتها:  

ظُلم عُمره اتحدّد

أيام أكتوبر تشهَد

الفترة الحالكة الماضية

في تاريخِك ما بتتجدّد

عَهدِ فسادُه

واستِبدادُه

الله لا أعادُه

يهزِم طرح الوادي الأخضَر

يا بلادي

شَعبِك أقوى وأكبَر

مِمّا كان العدو يتصوَّر….

أغنيات إنتفاضة إبريل

منذ أن تفجّرت انتفاضة أبريل بأيّامٍ قليلةٍ، صدح الفنان الكبير وردي بالعديد من الأغنيات الوطنية منها عرس السودان للشاعر الكبير محمد الفيتوري ويا شعبك لهبك ثورتك للشاعر محجوب شريف وهي من الأغنيات الوطنية التي لاقت قُبُولاً كبيراً في الانتفاضة، وكان وردي قد تغنّى بها لأول مرة في ميدان جامعة الخرطوم، حيث شهد الحفل عدد كبير من الجماهير على اختلاف ألوانهم السياسية واعتلى الكثير منهم كَشّافات الإستاد، كما غنّى وردي أيضاً للشاعر محجوب شريف بعد الانتفاضة أغنية (بلا وانجلى)

أغنيات مايو

عندما استولى نميري على السلطة بعد الإطاحة بالنظام الديمقراطي آنذاك، ظهر النظام الجديد بثوبٍ يساري أحمر صنّف في خانة الأيديولوجية الشيوعية، بالرغم من أن نميري وجل أعضاء مجلس انقلابه لم يكونوا شيوعيين وإن كانوا يساريي الميول، وبما أنّ وردي كان أقرب لأفكاره للحزب الشيوعي رغم نفيه لهذا الأمر، لكنه تحمّس للنظام الجديد في بداياته شأن كل الشيوعيين آنذاك، فسارع الشاعر محجوب شريف المُنتمي للحزب الشيوعي بنظم قصيدة خفيفة لحّنها وردي بلحنٍ مُميزٍ شارك معه الأداء على غير العادة مطرب آخر وهو الفنان محمد ميرغني في أغنية (يا حارسنا وفارسنا).. كما غنّى  للنظام الجديد ومجدّداً للشاعر محجوب شريف نشيد (في شعارتنا مايو … في حكايتنا مايو).. 

بيد أنّ وردي بعد انقلاب نميري ضد الشيوعيين عقب انقلابهم العسكري عليه والذي تم إجهاضه بعد ثلاثة أيام فقط، لم يقدِّم بعدها أية أغنية تدعم نظام النميري بعد ذلك .

أخيراً.. تظل الأغنيات الوطنية للفنان الكبير محمد وردي علامة فارقة في الفن السوداني والأغنيات الوطنية مهما تقادم الزمن وماثلة في وجدانهم الوطني رغم هجمة مُلوّثات السمع في الساحة الفنية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.