“حمدوك” … الغرق في مستنقع التفاصيل!

بقلم: سماهر الزين.

تابع الشارع باهتمام كبير اللقاء الأول للسيد رئيس الوزراء “حمدوك” بقناة النيل الأزرق و كان الكل حريصاً جداً على معرفة عقلية الرجل وطريقة تفكيره، و لذلك تتبعت كشأن المتأملين كل إجاباته بدقة ومن باب الإنصاف وجدته يفكر بطرق عادية ومصطلحات قد أستهلكت في عالم السياسة يُضاف إليها أسلوب الحماسة والإثارة ودغدغة المشاعر، ولكن في إعتقادي الشخصي فإن هذا الرجل مملوء بالوطنية الحقة، و هي ميزة نفتقدها عند المثقفين السودانيين عموماً، “فالوطنية” هي روح وإنتماء وعطاء بلا حدود، وعُمق في التفكير يجعلك تقف على الواقع بشكل صحيح مما يتيح الفرصة لوضع المعالجة الصحيحة.

و لكن ما أزعجني أيضاً من خلال لقاء د. حمدوك أسلوبه في معالجة المشكلات فالعمق و إن كان مطلوباً للكشف عن المشكلة المعينة أو التحدي المحدد، و لكنه لا يعني شئ إن لم يكن العلاج يتناسب مع المشكلة المحددة.
وللوصول للعلاج الصحيح هنا يحتاج الأمر لوضع آخر غير التبحر في المشكلة بعمق و هو “إختيار العلاج المناسب للمشكلة المعينة”.
و هو ما يحتم على راسمي السياسة في بلادنا التفكير بأسلوب محدد، و هو يعتبر طريقة دائمة يتحتم التعامل بها تجاه المشكلات و التحديات لمعالجة الأسباب و ليس الآثار، وهي تسمى بوضع العلاج الجذري للمشكلة المعينة: “علاجاً إستراتيجياً”.


فلو كانت هناك مشكلة ماء يُغرق غرفة معينة لا ينبغي التفكير في التخلص من الماء أولاً وإنما ينبغي التفكير في أسباب وجود الماء أصلاً في الغرفة، و بالتالي البحث عن الحنفية أو “الماسورة” المفتوحة و إغلاقها أولاً ثم من بعد ذلك تكون عملية معالجة الآثار الناتجة عن المشكلة المعينة سهلةً جداً بإجلاء الماء من الغرفة و الانتهاء من المشكلة نهائياً وهو معيار التفرقة بين المُفكر وغيره من العامة، و لذلك كان الدكتور حمدوك في جُل إجاباته يبحث عن معالجات جزئية و ينظر في كثير من الأحيان للآثار و ليس الأسباب و طبعاً مثل هذا الأسلوب يجعل الإنسان يغرق في التفاصيل ثم تفاصيل التفاصيل و هي منهجية الدوران في حلقة مغلقة.
و قد إستخدم هذا المنهج في جُل الإجابات إلا النذر اليسير من مثل موقفه من تصدير الخامات، فهذه كانت إجابة تحمل نظرة عميقة و تنظر للعلاج بزاوية تحل معضلة حقيقية في الإقتصاد. و لكن السواد الأعظم كان غير هذه الزاوية التي وفق فيها جداً.
فما ذكره عن إنهيار النظام المصرفي ما هو يمثل أحد الآثار لمشكلة مركبة في الإقتصاد تتأثر بخلل الميزان التجاري “سبباً” و التضخم أثراً “متسبباً”، و السياسات الخاطئة أو المتعمدة أثراً.
و أضعف إجاباته نهجاً كانت عندما رد على موضوع محاربة الفساد بصرامة تطبيق القانون و ركز جداً على نقطة “صرامة التطبيق” هذه متأثرا بأجواء سقوط النظام السابق!.

لكن الصحيح فكراً أن الفساد ينتج عن الظلم الوظيفي أولاً، فموظف الدولة الذي يُقدم عصارة خبرته مقابل أجر لايكفيه إلا ليعيش حد الكفاف في ظل الأوضاع الإقتصادية التي تنهار يوماً بعد يوم، و الدخل يظل كما هو!، أما الإحتياجات الأساسية للحياة تتضاعف مئات الأضعاف و كل أبواب الإنصاف مغلقة أمام هذا الموظف. هنا تكون الدولة فتحت كل أبواب الفساد أمامه و لا يملك هذا الموظف إلا النفاذ لطريق الفساد!.
و لذلك النظرة العميقة تجد أن الفساد أثر لمشكلة، و هي الظُلم الناتج عن هضم الحقوق من أجل نيل الحياة الكريمة. و لذلك مهما كان تطبيق القانون صارماً طالما أن هذا الموظف لا ينال ما يرضيه فسوف يكون هناك فساد، ثم يأتي زمان يحاصر الفساد حتى هذا المسؤول عن “محاربة الفساد بصرامة”!.

إن ردنا هذا ليس تبريراً للفساد و لكن هو لمعرفة ان الفساد يُحارب بتوفير الحياة الكريمة لكل المواطنين، و لذلك قيل في شأن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه عطل الحدود في عام “الرمادة” لأنه لم يستطع كدولة توفير الحياة الكريمة لشعبه.
و بالمقابل فإن التجار في عهد العادل “عمر بن عبد العزيز” كانوا يتركون بضائعهم في العرى أياماً و ليالياً كثيرة و لا يحتاجون لحراستها، و ذلك كان نتيجة لتوفر الحياة الكريمة بل كانت الأموال توضع في بيت المال بنافذة مفتوحة لكي يأخذ منها من يحتاج و لا أحد يأتي ليأخذ منها بل كان ينادى في أمهات المدن بأموال الصدقة و لا يجدون من يطلبها.
كما أنه قد ثبت أن طوال المئة عام الأولى من لدُن دولة النبي حتى تمام دولة بني أمية لم يتم تطبيق حد قطع يد السارق إلا خمسة مرات فقط و ذلك لأن الحياة الكريمة كانت متوفرة للمواطن مسلم وغير مسلم طالما أنه مواطن في الدولة.


لذلك يحتاج السيد رئيس الوزراء لنهج أو طريقة تفكير تتجاوز النظرة في آثار الأزمات للنظرة في أسباب الأزمات ومكامن الفساد بأنواعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.