“مزالق مُدلهمّة”!

بقلم: منتصر الدرديري.

بعيداً عن الهتافات والخدر الثقيل على الوعي، لماذا نحن متفاجئون بأن الوثيقة المتداولة مؤخراً بشأن الاتفاق ينضوي تحتها بندٌ يحمي أعضاء المجلس العسكري؟ أولم نوافق ضمنياً على هذا المبدأ عندما ارتضينا التفاوض منذ الوهلة الاولى؟ و مالذي كنا نتوقع من “قوى الحرية و التغيير” أن تحققه بالتفاوض؟

إنه وفي ألطف الاحلام و أكثرها رقةً ليس بالإمكان تخيل ان يسلمك مجرم ما سلاحه الوحيد “مصدر قوته ” واضعاً رقبته تحت تصرفك بالكامل ودون أي ضمانات!، وفي رأيي، هذا هو الحد الأدنى من متطلبات المجلس للتفاوض!.

إن الفرق بين الثورة و التسوية، هو فرق جوهري أخلاقي في المقام الأول و فرقٌ في الـ”ثمن” في الدرجة الثانية، فالثورة بمنطقها الاخلاقي و الجوهري لا تحتمل المساومة أو التنازل، لأنها موقف أصيل، فالتنازل عن أي من أجزائه هو تنازل أخلاقي (بما يعني بيع الثورة)، وأما التسوية فبالإمكان تكييف وضع أخلاقي لها (حقن الدماء ، التركيز في البناء …الخ ) و هي في الاساس لا تعتبر موقفاً أصيلاً لذلك فتحتمل التنازلات و البراغماتية، و في حقيقة الامر فإن الحلول في المجتمعات الحديثة المتعايشة سلمياً تجنح للتسويات (مواثيق الامم المتحدة).

بدون أي مزايدات اخرى، نحن نعيش الآن حالة من الجنوح للتسوية (و التي أدخلتنا فيها قيادتنا السياسية “قحت” بعد دعوة من المجلس العسكري لبدء التفاوض و من ثم تأكيد الوسطاء “الأفريقي و الإثيوبي و الأمريكي” على مبدأ التفاوض و تقديمهم للمبادرات التي تداولناها إسفيرياً و واقعياً)، لكن التعقيد الحقيقي يكمن في أن التجمع و قوى الحرية و التغيير يحاولان خلق واقع جديد بجمع قبول التسوية مع احلام و طموحات الجماهير التي عكفت على الخروج في مليونيات أسبوعية وأحياناً شبه يومية، فأنتج ذلك واقعاً هشاً إذ أنهم رفعوا سقف مطالب الجماهير للحد الذي يستحيل عليهم تلبيته “الدم قصاد الدم!”، ثم حدث أن تجاوزتهم الجماهير “لحظياً” كما شاهدنا في ١٣ يوليو، و الأيام التي تلي ذلك التاريخ، و ذكرتُ “لحظياً” لأنه قد تكرر في أسماعنا بعض الهراء الشاعري بأن “باستطاعة الشارع قيادة نفسه”!.

في العالم الحديث تُشكل اللقاءات الصحفية و المؤتمرات مصادر معرفية بحثية توثيقية، فكلُ حديث يصدر من مسؤول أو شخصية عامة يؤخذ على محمل الجد و ينال حظه من التحليل، حتى و لو ظهر الحديث في ظاهره كمادة للتندر و السخرية.

في لقاء جماهيري لقائد الدعم السريع و تحت عنوان “حميدتي يهدد الخرطوم”! و في سياق المحاولة الانقلابية الاخيرة؛ تحدث حميدتي عن أن:(الذخيرة لو دورت في الخرطوم حقيقة لن يسكن العمارات سوى الكدايس!)، وأنا أعتقد بأن السيد حميدتي يعي ما يقول جيداً و ليس حديثه بتهديد من “لا يملك”!، وأعتقد كذلك بأن الثلاثة أيام إبان مجزرة القيادة العامة هي مثال لما يمكن ان يحدث في المدن السودانية، فذلك هو الثمن الحقيقي للثورة في ظل الواقع الهش الذي نعايشه! و هذا ليس من باب التخويف الأحادي بالفوضى أو محض توقعات نُخبوية موسوسة!، بل هو من باب الواقعية!، فالمنطق و الواقعية يخبراننا بأن (الفات كوم، و إسقاط المجلس “كلو” كوم تاني خالص!) لأنه و بإختصار: “من الذي سيسقط المجلس؟” القوات المسلحة الشاهدة على الأحداث من أبواب القيادة؟ أم بقايا الإسلاميين مدمني المحاولات الانقلابية الأسبوعية؟ ولا (المدفعية عطبرة)؟!

في عقلية العسكر، نحن مجرد خسائر ترمّز بالأرقام، فعسكر الجيش وما لم تبلغ الخسائر المحتملة رقماً مهولاً لن يروا في تدخلهم واجباً، ولنفرض جدلاً بأننا بلغنا ذلك الرقم المهول، و شهدنا ظهور الكيان الأسطوري المسمى بـ”شرفاء القوات المسلحة” و قُرعت أجراس الحرب بين هذا الكيان من جهة و قوات الدعم السريع و أجنحة المجلس العسكري بالقوات المسلحة من جهة أخرى، و تحولت المدن السودانية لساحات للقتال، فبالتأكيد ستنتهي الحرب بتدخل عسكري دولي، لن يفضي إلى شئ سوى دعوة الأطراف للتفاوض من جديد!

في رأيي الشخصي، لا يوجد حل سوى التفاوض، فالتعويل على إنشقاق القوات المسلحة هو من باب اليأس والتمني ليس إلا، و تحميل الشارع فوق استطاعته هو من باب الإتجار بالدماء (دم الشهيد بكم؟)، فدعوات مثل:”مليونية طرد الدعم السريع أو مليونية إسقاط المجلس” هي دعوات غير مسؤولة لا أجد مستفيداً حقيقياً منها سوى دعاة الفوضى، إذ أنها قرائن لما ستؤول إليه الحال من “مزالق مدلهمة” كما ذكر (الامام)!، و إننا نرى طيف المزالق يزورنا في كل ليلة!.

ما يسقم النفس و يملؤها غبناً و حنقاً و كراهيةً للواقع، هو المداد الأسود و ثوب الحداد الذي لم نخلعه منذ الثالث من يونيو المشؤوم، على الدماء الطيبة التي أريقت من اجل الوطن في واقع تشكله قوى هزيلة بارعة في الدراما و الكذب و توجيه أصابع الإتهام يُمنةً ويسرة، و تُمارس كل شيء إلا وظيفتها “كقيادة سياسية” فرضها علينا واقعنا و فراغنا البائسين! و بالرغم من حالة الشد و الجذب و الحشد و الإستقطاب و الشحن التي تملأ الأجواء إلا ان الكرة ما زالت في ملعب الحرية و التغيير و نحن كسابلة على طريق الوطن لا نملك قيادة بديلة عنهم، على الأقل في هذه الفترة، وليس أمامنا خيار سوى أن نمني النفس بأن يكونوا و لو لمرة واحدة بحجم المسؤولية التي وضعناها على عاتقهم!.

عزاؤنا الوحيد في الشهداء، أنهم نجوا من الحياة، و أنهم عند مليك مقتدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.